بأي شبقية للمعرفة ترتبط نشوة قراءة كون كهذا؟ لأنني أستمتع بذلك بعنف, فأنني أتساءل من أين تنبع لذة رؤية المجموع الكلي, لذة الاطلال من عل , لذة الرؤية الاجمالية لأكثر النصوص البشرية ضخامة.
أن تكون مرفوعا فوق قمة مركز التجارة العالمي,يعني أن تكون مرفوعا بعيدا عن سطوة المدينة. لا يعود الجسد مشتبكا بالشوارع التي تدور به و تعيده وفق قانون مجهول, و لا يعود يتملكه-لا كلاعب و لا كملعوب به-ضجيج كل هذه الاختلافات وعصبية مرور نيويورك.ان من يصعد الي هذا الارتفاع يخرج من الكتلة التي تجرف و تمزج في داخلها كل هوية لمؤلفين أو مشاهدين.
يصبح بمثابة ايكاروس محلق فوق هذه المياه, و يمكنه ان يتجاهل حيل ديدالوس في متاهات متحركة و بلا نهاية. يحوله ارتفاعه الي متلصص.. يضعه علي مسافة.. يحول العالم الفاتن الذي كان المرء ممسوسا به الي نص يجده امامه, تحت عينيه, يتيح له أن يقرأه, أن يكون عينا شمسية , نظرة للرب, تمجيدا لدافع بانورامي و غنوصي . و خرافة المعرفة هي الا يكون سوي هذه النقطة الرائية
ميشيل دي سرتوه (1)1
انا من المؤمنين بأن تفسير أي ظاهرة انسانية بما في ذلك الظواهر السياسية,لا يمكن الاستنادعلي سبب واحد, و انما علي أسباب مركبة يدخل في سياقها ما هو اقتصادي و اجتماعي و سياسي الي اخره...
د.عبد الوهاب المسيري (2)2
عذرا ان كنت قد أطلت ذاكرا نص المفكر الفرنسي ميشيل دي سرتوه ولكن
ما انا بصدده من محاولة لفك التباس هذا المشهد السياسي الذي تحياه البلاد-يتطلب اولا فهم نص دي سرتوه و مقولة الدكتور عبد الوهاب المسيري . اذن هي مقدمة... مقدمة نحاول فيها ان ندرك و نرصد أصول تلك اللعبة المسماة ....السياسة.
ان السياسة دوامة تجذب من يقترب منها فيظل يدور و يدور و بتعبير دي سرتوه(ممسوسا به),لعلي أريد ان أستخلص من ذلك النص أنه لكي ندرك ملامح المشهد السياسي الذي تعيشه مصر حالياعلينا ان نتخلص من تلك الدوامة ..من ذلك المس..و ان نشعر بلذة الاطلال من عل.
دي سرتوه اذن قد صعد الي قمة مركز التجارة العالمي لكي ينفصل عن سطوة المدينةو يشعر بتلك اللذة التي ننشدها...لذة رؤية المجموع الكلي, دعونا نصعد معه لا الي قمة مركز التجارة العالمي و لكن الي قمة تتيح لنا الاطلال من عل ..هي دعوة لننفصل عن سطوة الاحداث و دوامة السياسة, و لكن ما السبيل الي هذه القمة؟ يعطينا علم التاريخ هذه القمة و يمدنا بذلك الشعوربأنك تنظر الي المجموع الكلي,لقد راودني هذا الشعور و أنا أطالع رائعة ابن الأثير (الكامل في التاريخ ) و ما فيه من صخب في الأحداث خاصة في ما كتبه ابن الأثيرعن صلاح الدين يوسف ابن أيوب فقد كان معاصرا له و ملازما لجيوش الناصر في فتوحاتها و غزواتها في أرض الشام.أتاح لي اذن ابن الأثير رؤية المجموع الكلي, ربما ما كان ليتاح لي ذلك لو غرقت في دوامة الأحداث , لقد أعطاني التاريخ شعورا سوف ألتمسه في محاولتي لتفسير هذل المشهد المتشابك الذي نعيشه حاليا.
وأعود و أستشهد بما قاله عميد الصحافة العربية الاستاذ محمد حسنين هيكل في حواره الممتع علي قناة الجزيرة و الذي تنشره جريدتي الاسبوع و العربي ربما اطيل فيما استشهد به و لكن تكتسب الشهادة اهميتها بما تعبر عنه من معان
صادرة من شخص له اسهامات فكرية مثل دي سرتوه او المسيري او هيكل.فماذا قال هيكل؟
انا فاكر لما جيل بدأ وعيه يتفتح في الأربعينيات....تفتح و الصور أمامنا واضحة و باهرة...كانت القضايا العامة
ظاهرة أمامنا ,كانت هناك قضية الاحتلال و الاستقلال الوطني و الخلاص من الاحتلال البريطاني.أما القضية الثانية فتمثلت في البحث عن نوع من التقدم و كان تطلعنا الي شمال البحر الابيض المتوسط(أوربا) حيث أثرت في عدد كبير من مثقفينا و أصبحت بمثابة النموذج الملهم تقريبا لكن حلم الاستقلال و التقدم كان أكبر..النهاردة..انا مش متأكد احنا عاوزين ايه؟
فجيلي (و الكلام ما زال لهيكل) كانت الخيارات(علي الاقل الفكرية)أمامه واضحة ( الليبرالية يمثله الوفد.... الاسلامي الاخوان المسلمون...الماركسي تتحدث عنه الاحزاب الشيوعية) حتي الهوية كانت هناك خياران واضحان. اما القومية
و العربية و اما مصر وحدها كدولة مستقلة لم يكن هناك التباس في الهوية لكن اليوم المسائل التبست لدرجة أني أتصور أن الجيل الموجود أمامي لا يعرف ما هو المطروح عليه
أنا بقول من 60 سنة عندما بدأنا كان هناك نوع من الوضوح و النهاردة لما بقعد أتكلم مع حد من الشباب الجديد ألاقي قدر كبير من الارتباك في التصورات و قدر كبير من الحيرة فيما هو مطروح.حتي جدول أعمال وطني مش موجود...جدول الاهتمامات مش واضح...المفردات التي تستعمل ليست واضحة
فكيف حدث ذلك؟
عندما تكون الخيارات و الخطوط و العلامات واضحة قد ننجح و قد لا ننجح..قد يكون الناس أكفاء و قد لا يكونوا أكفاء, فوعي الأمم يقاس بعدة أشياء أولها التنبه الي ما تريده سواء كانت قادرة علي عمله في هذه اللحظة او قادرة علي عملة في مراحل, او فشلت في انجازه, فالمهم جدا أن تكون الصورة واضحة (3)3
الي هنا انتهي كلام أستاذنا هيكل....و لكن لا ينتهي الجدل ...الجدل حول فك رموز ذلك المشهد المتشابك, ان من الخطأ تناول موضوع بهذا التعقيد بشئ من العمومية في التحليل أو تبسيط الأمور في شكل معيب بأن سبب هذه المشكلة هو ذلك الشئ و حلها يقتضي فعل ذاك الشئ, ذلك بأن الأمور الانسانية و السياسية لا يمكن الاستناد فيها الي سبب واحد و انما الي اسباب مركبة
الحديث عن مطالبة الحكومة او بالأحري النظام و في ظل نظامنا المصري المشخصن في رأسه مبارك (و الذي بيده دستوريا 63%من السلطات)-الحديث عن مطالبة ببرلمان قوي يتاح له محاسبة الوزراء و عزلهم و محاسبة الرئيس و عزله أو انتخابات حرة نزيهة أوالفصل بين السلطات أو تأسيس جمعية وطنية لوضع دستور جديد للبلاد , كل هذه المطالب تدخل في باب الجدل و اللغط عندما لا نعي أطراف و قواعد اللعبة السياسية للنظام المصري
لماذا لا نسمع عن التباس الصورة لدي الشباب في الدول الاكثر ديموقراطية (و لا أقول ديمقراطية)؟ لماذايستجيب النظام في توقيتات معينة و ينفذ بعض المطالب الشعبية و ان كان بطريقة ملتفة مدعيا ان ذلك انما هو تأكيد لهذه الجملة السقيمة بأننا نعيش في أزهي عصور الديمقراطية؟ و اذا كان نظامنا يكاد يذرف الدموع في سبيل تحقيق ديمقراطية لشعب لا يعيها علي حد وصف نظيف باعتبارنا شعب غير ناضج سياسياَ فلماذا لم يستجب الا بعد ربع قرن؟ و لماذا يلتف حول هذه المنح و العطايا السلطوية لشب قاصر سياسيا لا يستطيع أن يفكر او حتي يلتفت الا باذن أبيه التاريخي محمد حسنس مبارك ؟
طرح الفرض بأن النظام يتخذ تلك الخطوات الان لأن البلاد تمر بفترة حرجة و ان خيار الديمقراطية كان سيفضي الي فوضي عارمة في البلاد ,أو ان هذه الخطوات تحققت نتيجة لنضال مفكري و مثقفي هذه الامة....هو فرض خاطئ بالشواهد و الثابت من هذا النظام
وللحديث بقية خشية الاملال للاطالة
الهوامش:
(1) اقتباسا من كتاب د نبيل عبد الفتاح سياسات الاديان الصراعات و ضرورات الاصلاح و النص اقتبسه د نبيل عبد الفتاح من كتاب ميشيل دي سرتوه l invention du quotidienالصادر عن دار نشر جاليمار عام 1990, ترجمة أحمد حسان لهذا الفصل في مجلةأمكنة الكتاب الثالث ص 148 الاسكندرية أغسطس 2001
مقدمة الفصل الاول للكتاب سابق الذكر لنبيل عبد الفتاح الطبعة الثانية 2005 مكتبة الاسرة
(2) جريدة المصري اليوم حوار مع دكتور عبد الوهاب المسيري عدد خاص العدد 566
(3) قناة الجزيرة الفضائية برنامج مع هيكل و المنشور في جريدة الاسبوع المصرية العدد 431